لم يكن الشاعر البدوي بن قيطون يعلم وهو يستمع لقصة شاب هائم على وجهه بالصحراء في حالة وسط بين العقل والجنون، أن حكاية هذا الشاب المفجوع بفقد حبيبته ستلهمه قصيدته الأبرز، والتي ستخلد اسمه في ديوان الشعر الشعبي المغاربي كواحد من فحول الشعراء وأكثرهم شهرة وتأثيرا على جيل لاحق من الشعراء الذين سيأتون بعده.
أما الشاب الذي عثر صادقه بن قيطون في الصحراء فهو سعيد بن صغير؛ وأما القصيدة فهي قصيدة حيزية التي ستصير لاحقا أشهر قصيدة رثاء في تاريخ الأدب الشعبي الجزائري والتي سيتغنى بها كبار مطربي البدوي من عبد الحميد عبابسة رائد هذا النوع من الغناء الى البار اعمر ورابح درياسة وغيرهم. من يحقق فيلما عن حيزية بناء على ما ورد في قصيدة بن قيطون، ثم سيأتي شاعر آخر معاصر لنا وهو عزالدين ميهوبي ليبدع انطلاقا من قصيدة حيزية ابيرات رائعة تخلد الحب والتفاني في عشق المحبوب وتصور صراع المحبين من اجل حقهم في الوصال.
ولكن ما هي حكاية حيزية التي تحولت في المخيال الشعبي الجزائري إلى أسطورة تتداول حكيها الجدات في ليالي الشتاء الباردة، وإلى رمز للحب المستحيل الذي جمع بين سعيد بن الصغير الشاب الفقير وبين حيزية ابنة احد وجهاء القوم وانتهى بفجيعة موت المحبوبة.
القصة حقيقية في جوهرها برغم ما لحقها ما تحريف على أيدي الرواة نظرا لوقوها في زمن يفتقد للتدوين بنسبة كبيرة ، وجل الأمور كانت تنقل شفاهة. القصة دارت أحداثها بالجنوب الشرقي الجزائري منطقة الزيبان وبالضبط بقرية سيدي خالد سنة 1295هـ /1878 م.
كانت حيزية ابنة احد وجهاء القوم وهو احمد بن الباي فتاة رائعة الجمال سلبت عقول شباب ورجال القبيلة جميعا، ولكنا لم تعشق إلا راعيا فقيرا هو سعيد بن الصغير، ذالك الشاب المغمور الذي ماكان ليذكره احد لولا حبه لحيزية، فالحب وحده خلد هذا الفتى، وأي حب أنه حب مستحيل رغم تحققه لمدة من الزمن.
سعيد وهو يلحظ حب حيزية له برغم كثرة خطابها وبرغم غنا اهلها ووجاهتهم في مقابل فقره وهوانه هو راعي الغنم. جعل لحياته هدفا واحدا هو الزواج من حيزية التي بادله حبا عفيفا وطاهرا يذكرنا بالحب العذري الذي مثله جميل بثينة ومجنون ليلى وكثير عزة وغيرهم من الشعراء العذرين.
وبعد جهود وصراعات وعذاب يختلف رواة الحكاية في وصفه تمكن سعيد من الزواج من حيزية.
كان يمكن لاي حكاية حب استثنائية ان تنتهي هكذا بزواج الحبيبين، هي نهاية سعيدة على طريقة الأفلام الهندية، ولكن القدر كان يخبأ أشياء أخرى في سر هذه العلاقة. حيث وبعد شهر واحد من الزواج تموت حيزية ويجن سعيد ويهيم على وجهه في الصحراء؛ كان يمكن لو أن سعيد كان شاعرا أن ينتج لنا نسخة أخرى أكثر معاصرة من شعراء الحب المجانين كقيس بن الملوح، لكنه كان فتى بسيطا أميا وراعي غنم لا أكثر، ميزته الوحيدة أو فعله الأبرز في حياته هو قصة عشقه لفاتنة الزيبان. لكن القدر سيقوده لشاعر جوال كان في رحلة صيد بالصحراء هو بن قيطون الذي سيخلد سعيد وحيزية وحبهم المفجوع في شهر سعادته الأول بواحدة من أروع قصائد الرثاء.
الغرض من هذه المقدمة المختصرة هو وضع القارئ في الجو العام للقصيدة وأكيد أن الكثيرين من الإخوة المشارقة سيجدون صعوبة في فهم بعض الكلمات لأنها مكتوبة لهجة جزائرية بدوية حتى بعض الجزائريين في مناطق أخرى يصعب عليهم فهم كل كلماتها
القصيدة ألفت على منوال القصائد العربية الكلاسيكية ، تبدأ بمخاطبة الأصدقاء ، ثم يتلو ذلك ذكرى أيام الحب والسعادة ووصف الحبيب ، والرجوع إلى الموضوع الرئيسي وهو الرثاء فيذكر الشاعر دفن حيزية وهي المقاطع الأكثر تأثيرا في هذه القصيدة حيث يبدع بن قيطون في وصف الحالة النفسية لسعيد والتراب ينهال على جسد حبيبته، ويختم القصيدة بتفجعه والالتجاء إلى الله طالبا الرحمة والمغفرة منه تعالى
وهذه قصيدة حيزية:
عزوني يا مـــــــــــلاح في رايس لبــنات
ســــكنت تحت اللحود نـــــــــاري مقديا
يــاخي انـــا ضريـــــر بيا مــــــا بيا
قــلبي سافر مع الضـــــــامر حيزيــــه
يا حصراه على قبيل كـــــــــــنا في تاويل
كي نوار العطـــــــيل شاو النقصــــــيا
ما شفنا من أدلال كي ظل الخــــــــــــيال
راحت جدي الغزال بالــــــــجهد عليــــا
وإذا تمشي أقبــــال تســـــــلب العــقال
أختي بــاى المحال راشـــــق كمـــــيا
طلقت ممشوط طاح بروايـــــــــح كى فاح
حاجب فوق اللماح نونـــــــين بريـــــا
عينك قرد الرصاص حربي فى قرطـــــــاس
ســورى قيـاس فى يدين حـــــــــربيا
خدك ورد الصباح و قرنفل وضــــــــــاح
الدم عليه ساح مــــثل الضوايــــــــا
شوف الرقبة خيار من طلعة جمار
جعبة بلار و العواقد ذهبيــــــــــــا
فى بازر حاطين أنصـــــــــبح فى الزين
واحــــــنا متبســـطين فى خير الدنيا
نصبح فى الغزال انصرش للفــــــــال
كالى ساعي المال وكنوز قويـــــــــا
ما يسواش المال نقحات الخلخــــــــال
كى انجبي للجبال نلقى حيزيــــــــــا
تتسحوج فالمروج بخلخيل تســــــــوج
عقلي منها يروج قلبي وأعضــــــــيا
فالتل مصيفين جيـــنا أمحــــــــدرين
للصحراء قاصدين نا والطوايــــــــا
الأجحاف مغلقـــين و البارود إنـــــين
الأزرق بي يمين ساحة حيــــــــزيا
ماذا درنا أعراس لزرق فى الـــــمرداس
يدرق بي خلاص في روحنيـــــــــا
تاقت طول العـــــــلام جوهر فالتبسام
تمعني فالــــكلام و تفهم فيــــــــا
بنت حميده اتبان كى ضي الومــــــــان
نخلة بستان غى وحدها شعويــــــــــا
زند عنها الريــح قـــلعها فالــــــميح
ما نحسبها أطيح دايم محضيــــــــــا
في واد أثل نعيد حاطين سماط فريـــــــد
رايسة الغيد ودعتــــــني يا خويـــــا
في ذا الليلة وفــات عادت في المـــــمات
كحلا الرمقات ودعت دار الدنيـــــــــا
خطفت عقلي راح مصبوغة الألمـــــــاح
بنت الناس المـــلاح زادتــني كيـــــا
حطوها في لكفان بنت عالي الشـــــــان
زادتني حمان نفضت مخ حجايــــــــا
حطوها في فنعاش مطبوعة الاخــــــراس
راني وليت باص واش إلي بيـــــــــا
في
المزيد