Image Hosted by ImageShack.us
 

http://www.youtube.com/watch?v=r1fGbmb48ig&feature=player_embedded


أزمة المثقف العربي ( 6 )

نوفمبر 8th, 2008 كتبها كريم الجزائري نشر في , دراسات

المثقف العربي بين تعسف الأنظمة العربية وازدواجية الغرب:
كثيرا ما يراهن المثقف العربي وهو يواجه السلطة المستبدة والمعادية للديمقراطية على الغرب كحليف يمكن أن يمد له يد العون في صراعه من اجل تحصيل الحقوق المدنية والسياسية، وكفزاعة لترهيب الأنظمة المستبدة، ولكن الغرب الذي يوجد في قاع الفكر العربي كما يقول العروي، لا ينظر إلى الديمقراطية في البلدان العربية بنفس النظرة التي ينظر بها لنفس الموضوع / القيمة في بلدانه الأصلية، فالديمقراطية التي يمكن أن توصل إسلاميين للسلطة، بما يمثلونه من معارضة تاريخية للغرب ولمناراته العلمية والمعرفية، هي ديمقراطية مشوهة في نظر الغرب يجب محاربتها بدعم الأنظمة التسلطية للوقوف في وجه التيارات السياسية التي لا تخدم مصالح هذا الغرب، وبالتالي فإن الديمقراطية بالنسبة للغرب هي سوق تمكنه من اختيار من يصل للحكم، والأكثر خدمة للغرب وولاء، هو الأكثر ديمقراطية.
لهذا يبدو رهان المثقفين العرب على الغ
رب في صراعهم ضد استبداد الأنظمة الحاكمة في بلداننا العربية هو رهان خاسر، لأن سياسة الكيل بمكيالين التي يتبعها الغرب، وسياسيته البراغماتية التي تنظر لمصالحه قبل أن تأخذ بعين الاعتبار مصالح الآخرين، تجهض هذا الرهان.
إذن، فالمثقفين العرب وخصوصا الفئات المستنيرة التي آمنت بقيم الغرب العقلانية والداعية للعدالة والمساواة والتنوير وراهنت عليه، تقع بين المطرقة والسندان، مطرقة الغرب المتنكر لقيمه حين تتعارض مع مصالحه السياسية والاقتصادية واستراتيجياته المستقبلية، وسندان الأنظمة الحاكمة التي لا ” تعتبر هذه الفئة من المثقفين أعداءها فقط, لأنهم يتبنون قضية الديمقراطية, بل أيضا لأنهم يرفضون كل مواقفها وخياراتها وسياساتها الإقليمية والدولية التي تستجيب في معظمها لمصالح الغرب “(
[1])، ومن هنا فإن المثقفين العرب وخصوصا المشبعين بقيم الثقافة الغربية والمدافعين عن الحداثة كنموذج غربي المنشأ قابل للتوطين محليا، يجدون أنفسهم في وضعية لا يحسدون عليها، على عكس المثقفين الإسلاميين الذين حسموا اختياراتهم اتجاه الغرب منذ البداية والذين يعادونه بشكل حاد وراديكالي ولا يرون فيه سوى جانبه السلبي، ولا يرونه له مزية غير تقدمه التكنولوجي الذي لا يعارضون استيراده مجردا من مرجعياته الثقافية؛ بالإضافة إلى تصالح التيار الإسلامي غير المتشدد مع السلطة وانخراطه في المشروع السياسي للدولة الوطنية وللنظم الحاكمة، التي وظفته ( أي التيار الإسلامي السلفي غير الراديكالي ) في فترات كثيرة لكسر شوكة التيارات الأخرى المعارضة وخصوصا التيار القومي واليساري الذي كان ولفترة معينة (الستينات والسبعينات ) قويا وقادرا على فضح انحرافات السلطة والتنديد بإخفاقاتها المتكررة، لهذا نجد أن المثقف الإسلامي له موقف ثابت من الغرب وهو موقف الرفض وبالتالي عدم الحاجة ( النظرية على الأقل ) لحماية هذا الغرب والاستجارة به من ظلم وتعسف السلطة الحاكمة، فقد ” انخرط المثقف الإسلامي السلفي في المشروع السياسي القومي منذ انتصار الناصرية في مصر وحرب التحرير في الجزائر، كما انخرط في استعادة السيادة الوطنية المستلبة من القوى الاستعمارية، إلا أنه، وعلى المستوى الفكري تقوقع وانكمش، وأظهر عدم القدرة على مجارات التطورات العلمية والفكرية والثقافية، وهكذا ظل يعيش – كما هو نموذجه التاريخي – حالة تبريرية للسلطة مع عدم رضاه عنها “([2])، وبالتالي كان خيار هذا المثقف محسوما كما أسلفت الذكر اتجاه الغرب الذي ظل يعادي أنواره وحداثته، في نفس الوقت الذي ظل حريصا على توظيف بعض منجزاته التكنولوجية لإيصال تأثيره للناس أو لتسويق رؤيته الماضوية / السلفية المنفصلة عن هموم المجتمع الحقيقية، وأسئلته الجوهرية التي يبحث لها عن إجابة لا يملكها سوى المثقف الذي يحسن الإنصات لنبض المجتمع في حركيته التاريخية.
أما المثقف العلماني، والمرتبط فكريا بالغرب وانجازاته الحضارية والفكرية، فقد ظل رهين أوهامه هو الآخر: وهم الغرب المستنير منبع العدالة والحرية والديمقراطية، وواقع الغرب الاستعماري والمعارض الشرس لمصالح الأمة، والذي لا يرى في هؤلاء المثقفين سوى مشروع وكلاء ينفذون مشاريعه واستراتجياته في ديارنا، ” لقد وجدت هذه الفئة من المثقفين المدافعين عن الديمقراطية نفسها في موقف حرج، فهم يتبنون الديمقراطية ويدافعون عنها باعتبارها المدخل الأساسي لمعالجة مجمل الإشكاليات التي تعانى منها الجماعة ولكنهم لا يقبلون في الوقت نفسه وصاية الغرب على مواقفهم ورؤيتهم واقتناعاتهم المتعلقة بقضايا يرونها جوهرية في مقابل ما قد يقدمه لهم الغرب من حماية عبر مؤسساته ومنظماته “(
[3])، ومن هنا فهذه الفئة من المثقفين التي تنتظر من الغرب أن يمد لها يد العون في نشر قيمه الحضارية ومنجزاته المعرفية التي آمنت بها، تجد نفسها عالقة بين متطلبات المصلحة الوطنية والقضايا الجوهرية للأمة من جهة، واستبداد الأنظمة الحاكمة وتفريطها في تحمل مسؤولياتها اتجاه تطلعات أفراد الجماعة في التقدم والرقي والدفاع عن القضايا المصيرية التي هي محل اتفاق شبه كلي بين مختلف الشعوب العربية، من جهة ثانية، وشروط الغرب المجحفة وبراغماتيته التي لا ترى سوى مصالحه من جهة ثالثة.
هذه الحالة المعقدة والمحرجة التي وجد المثقف العربي العلماني والتنويري نفسه في ظلها تدفعه لتقديم تنازلات عدة سواء للسلطة أم للغرب، أم تدفعه للتنازل عن كونه قيما على مصير الأمة وحاملا لهمومها وتطلعاتها؛ وأي تنازل من هذا النوع هو بكل تأكيد إفراغ لجوهر المثقف من محتواه.
ومن هنا فإن حالة الوعي الشقي التي يجد المثقف العربي التنويري نفسه في ظلها تدفعه للتذبذب في اختياراته، وتدفع فئة من هؤلاء المثقفين للحسم باختيار الغرب، ليس كظهير وسند لهؤلاء المثقفين في مواجهتهم ضد السلطة المستبدة، ولكن كفضاء جغرافي وحضاري يمكنهم من النظر بحرية اكبر في قضايا أمتهم من جهة، وفي علاقتهم بالغرب وعلاقة الغرب بالعالم العربي من جهة ثانية، عن طريق الهجرة أو المنفى التي يراها بعض من هؤلاء المثقفين كحل يمكنهم من الاستفادة من مناخ الحرية، الذي هو عنصر أساسي بالنسبة للمثقف، هذه الحرية التي هي ضرورة للإبداع والتفكير بعيدا عن تلك الضغوطات القاهرة التي تفرضها الأنظمة العربية على المثقفين في أوطانهم، فمثقف عربي مهاجر مثل الطاهر بن جلون يرى ” أن المكان الوحيد الذي يسمح للأدباء والمثقفين العرب بالتعبير عن رأيهم بكل حرية هو المنفى، ويقصد به تدقيقا أوروبا وأمريكا الشمالية، ويخص مدينتي باريس ولندن بالذات، لما رآه من كثرة هجرة المثقفين إلى العواصم الأوروبية والاستقرار بها بشكل نهائي والتدريس في جامعاتها، والعمل على إصدار مجلات وجرائد متميزة تعتبر من أحسن وأجود الإصدارات العربي شكلا ومضمونا، خاصة منذ اندلاع الحرب الأهلية في لبنان موطن الحرية والديمقراطية قبل 1975″(
[4])، كما أن م

المزيد


أزمة المثقف العربي (4)

أكتوبر 7th, 2008 كتبها كريم الجزائري نشر في , دراسات

علاقة المثقف بالسياسي
كيف يمكن مقاربة علاقة شائكة وتراجيدية كتلك التي تحكم المثقف العربي بالسياسي، وتحدد العلاقة بين المجالين السياسي والثقافي، فالتاريخ العربي على امتداده يعطينا أمثلة كثيرة لمدى اتصالية وانفصالية هذه العلاقة من جهة، وتبعة المثقف للسياسي من جهة ثانية، فلم يحدث إلا في حالات نادرة جدا، أن كان المثقف شريكا للسياسي في توجيه السياسة العامة ورسم الخطوط العريضة للاختيارات السياسية والأيدلوجية العامة للدولة.
لهذا يبدوا تناول هذه العلاقة شائكا ومعقدا، لأنها علاقة غير سوية ولا صحية، فقد كان اهتمام المثقف العربي، ومازال، منصبا على ربط علاقة وثيقة مع المجتمع بغية التأثير فيه وتطعيمه بالأفكار والقيم التي ينتجها هذا المثقف أو التي يدافع عنها، وبما أن تجدر المثقف العربي في واقعه الاجتماعي ضعيف بسبب ما يسميه عبد الله العروي ” بالتكوين النظري للمثقفين العرب”، فقد كانت السياسة بابا ولجها المثقف من اجل الوصول للمجتمع، وهنا وقع الاصطدام مع السياسي الذي يرغب، بسبب وظيفته في المجتمع وتمثيله للدولة وبسبب طموحاته في الهيمنة المطلقة، يرغب في احتكار منافذ التأثير على المجتمع، وقولبة هذا الأخير بالصورة التي يراها مناسبة والتي تضمن له مزيدا من الهيمنة والاستمرارية.

وبما أن حضور المجتمع والسياسة في فكر وممارسة المثقف العربي كان مهيمنا، وبالتالي كان هاجس السياسة كمجال محايث الحضور للمجال الثقافي مسيطرا على فكر وممارسة وطموح المثقف العربي، فالعلاقة بين المثقف والسلطة هي علاقة تلازم في الحضور وتنافر في الأدوار ” فالمثقف والسلطة كالهواء والنار يلازم كل منهما الآخر زمن الحريق وإطفائه. إنهما يتلازمان في الضرورة والوجود. وهو المصير الذي يحكم مواجهتهما الدائمة بوصف الأسلوب الطبيعي لوجود كل منهما. فانسياق المثقف تحت عباءة السلطة أيا كان نوعها يؤدي في نهاية المطاف إلى ابتذال كل ما يقوم به. مع ما يترتب على ذلك بالضرورة من فقدان روحه الحقيقي. حينذاك يكف المثقف عن أن يكون روحا. بينما لا يمكن حد حقيقة المثقف بدونه”، كما أن المثقف في احدى تعريفاته كما يوردها إدوارد شيلز، هو: “
[1] الشخص المتعلم الذي يمتلك طموحاً سياسياً للوصول إلى مراكز صنع القرار السياسي أو من خلال دوره المحوري الحاسم في توجيه المجتمع عن طريق التأثير على القرارات السياسية الهامة التي تؤثر على المجتمع ككل”([2]) ووفق هذه النظرة كانت شريحة من المثقفين ترى ضرورة اقتحام المجال السياسية بغية الوصول للمجتمع، فوفق هذه النظرة فإن ” أفضل طريق لولوج المجتمع والتأثير عليه هو الدخول له من باب السياسة التي تعتبر أكثر الوسائل قدرة على إحداث التغييرات بما تملكه من سلطة ، فالسياسة تحول الفكرة إلى سياسة تطبق على أرض الواقع من خلال وضع الاستراتيجيات واتخاذ القرارات السياسية ، وباعتبار أن السياسة اهتماماً بالشأن العام الذي يصب فعلها في النهاية في المجتمع “([3])، وهذا الاقتحام الثقافي للمجال السياسي كان على امتداد التجربة السياسية العربية بداية من قيام الدولة الأموية ووصولا إلى الوقت الحاضر، يأخذ شكلين بارزين:
- المشاركة المباشرة عن طريق احتلال مناصب سياسية سواء بالانتخاب، أو بالتحالف مع السياسي رغم خطورة هذا التحالف الذي كانت نتيجته في الغالب هي تدجين المثقف من طرف السياسي وتحويله لمبرر ومدافع عن اختياراته وأيدلوجيته، بدل أن ينجح المثقف في التأثير على السياسي من خلال لعب دور ما يسميه علي الكنز بـ “مستشار الأمير”، وبالتالي فقدان المثقف لمشروعيته الاجتماعية بسبب تحالفه مع السياسي من جهة، وفشله من جهة ثانية في تحويل أفكاره إلى سياسة متبعة، بسبب الريبة الفطرية التي ينظر بها رجل السياسة للمثقف واعتباره له ” مشروع انقلابي” ومشروع معارض، بمجرد وقوع خلاف في الرؤى بين المثقف والسياسي.
- المشاركة غير مباشرة عن طريق المعارضة، سواء بالانضواء تحت لواء أحزاب وتيارات سياسية معارضة حاملة لمشروع سياسي تسعى لتطبيقه فور وصولها للسلطة، أو عن طريق “المعارضة الفكرية الحرة ” التي تجعل من المثقف مجرد إنسان يحسن التنديد بانحرافات السياسة، دون القدرة على التجدر الاجتماعي، وطرح البديل الممكن التطبيق بسبب انعدام الإطار التنظيمي الذي يدعم ويسوق أفكار المثقف، وفي كلتا الحالتين يتجلى الفشل الدريع الذي مني به هذا الاختبار غير المباشر لولوج السياسة الذي اختاره المثقف، ففي الحالة الأولى يقع المثقف المدافع عن حريته ورؤيته النقدية ضد تسلط الدولة، يقع تحت تسلط آخر باسم الحزب، وباسم الأولويات والتكتيكات السياسية المتبعة من طرف الحزب مما يوقع المثقف في مفترق الطرق: إما أن ينصاع لاستراتجيات الحزب ويعمل وفق أولويات الواقع من جهة، ووفق الإطار الإيديولوجي للحزب من جهة ثانية، وبالتالي يقع تحت هيمنة الحزب بعد أن فر من هيمنة الدولة؛ وإما أن يظل مخلصا لأفكاره التي تكون أحيانا معارضة لاختيارات الحزب، فيقع الطلاق بين الطرفين، سواء بانقلاب الحزب على المثقف أو العكس، وتجربة المثقفين العرب اليساريين مع الأحزاب التقدمية والشيوعية طوال الفترة الممتدة من نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية الثمانينات خير مثال يمكن تقديمه على هذه العلاقة المتشنجة التي وقع فيها المثقف ضحية انتماءه السياسي المعلن، وضحية التوظيف السياسي من طرف الحزب لهذا الانتماء لخدمة الحزب وحده، دون الأخذ بعين الاعتبار الدور الاجتماعي للمثقف بعيدا عن الممارسة السياسية التي ما هي سوى محدد ضمن جملة محددات لصفة المثقف.
وهذه الحالة جعلت من علاقة المثقف بالسياسي أو بالدولة بعبارة أخرى علاقة متشنجة وغير سوية في العالم العربي؛ لقد حدد حليم بركات هذه العلاقة في أربعة نماذج، وقام بإعطاء أمثلة عن الكتاب والأدباء الذين يمكن أن يشكلوا عينة تمثلية عن طبيعة العلاقة الموجودة، وهذه النماذج كما حددها حليم بركات هي(
[4]):
- علاقة اللامبالاة : ونعثر عليها لدى أدباء اهتموا بالقصص الوجدانية والقضايا الفلسفية المجردة من أمثال ميخائيل نعيمة، ورئيف خوري .
- علاقة الاضطهاد : هذا شأن معظم الدول العربية، حيث القمع السلطوي الذي يسلط على المثقفين الرافضين والمعارضين للسلطة والناقدين لاختياراتها، فالسجن والنفي والتضييق على الحرية الشخصية هي القواسم المشتركة بين غالبية المثقفين العرب

- علاقة الوصاية : أيضاً معظم الدول العربية، حيث نجد أولئك المثقفين المدجنين والذين تحولوا لمجرد أبواق للمدح، يمكن أن نذكر هنا مثال أمير الشعراء احمد شوقي كشاعر بلاط، خاضع لوصاية وحماية القصر من جهة؟، ولا مبالي بالقضايا الجوهرية التي تعارض نظرة أوصيائه من جهة ثانية
- علاقة المشاركة: غير متوفّرة في أي بلد عربي، بما فيه لبنان بلد الحرية السياسة والفكرية ( مقارنة بباقي الدول العربية )، وحتى حين يكون هناك نوع من المشاركة، فإنها مشاركة لا متكافئة، تجعل المثقف يناضل من جهة للحفاظ على الحد الأدنى من حسه النقدي، ويقدم تنازلات لأجل الإبقاء على حبل الود موصولا مع السياسي.
هذه النماذج التي قدمها حليم بركات لطبيعة العلاقة بين السياسي والمثقف في العالم العربي، هي كلها تقريبا علاقات غير سوية، وذلك يعود لسبب طبيعة الأنظمة العربية التسلطية الراغبة والعالمة على السيطرة التامة على كل مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وهذه النماذج المقدمة هي نماذج غير جازمة، ولا مانعة لتقسيمات أخرى لطبيعة العلاقة بين السياسي والمثقف، هذا المثقف العربي الذي يقف حائرا بين متطلبات المجتمع، وما تنتظره منه الأمة والجماعة، وبين اكراهات السياسي وأنظمته التسلطية.
المثقف بين متطلبات المجتمع وإكراهات الدولة:
هناك ترابط بين الدولة والأمة والمرجعيات الثقافية المشكلة لوعي المجتمع الذي يتكون منه أفراد الأمة ” فالدولة لرجل السياسة، والأمة لمرجعياتها الروحية والثقافية، والثقافة لمبدعيها”(
[5])، ولكن حين تسعى الدولة عن طريق أجهزتها السياسية والإيديولوجية لتأميم المجتمع ودولنته وقولبته وفق اختياراتها السياسية والإيديولوجية يقع الصدام مع المجتمع ومع مرجعياتها الثقافية التي يغذيها المثقف بإبداعه، وتعبيره عن جوهرها وتمثله لوعي أفرادها وتطلعاتهم، ويكون الصدام أكثر بروزا مع المثقف كناطق باسم المجتمع؛ وم

المزيد


أزمة المثقف العربي (3 )

سبتمبر 3rd, 2008 كتبها كريم الجزائري نشر في , دراسات

الاتجاهات الفكرية لعصر النهضة
“نحن بحاجة إلى استعادة روح رجال النهضة وما تميزوا به من جرأة وصدق وتفاؤل” هذا ما نصح به المفكر المغربي الكبير عبد الله العروي المفكرين العرب الراغبين في دخول الحداثة والإفادة مما توصلت إليه خلاصة التجارب العالمية في التقدم والتحديث والتنوير، أورد العروي هذه النصيحة في ختام كتابه: ” مقدمات ليبرالية للحداثة” الصادر في بيروت العام 2000؛ فما مدى تمكن العرب من الاستفادة أولا، من ذلك الفكر الثر الذي أنتجه رواد النهضة العربية وهم يعملون كل ما بوسعهم من اجل رسم الطريق الموصلة نحو الرقي والتقدم و الانعتاق من ربقة عصور الانحطاط الطويلة والمريرة والتي خيمت على العالم العربي الإسلامي طويلا، وثانيا الاستفادة من تلك الروح المتفائلة التي ميزت الفترة التي اصطلح على تسميتها بعصر النهضة والتي يؤرخ لميلادها بحملة نابوليون على مصر سنة 1798(
[1]) والتي امتدت إلى غاية أواخر النصف الأول من القرن العشرين.
إن الفكر العربي المعاصر، وبعد ت
لك الهزات العنيفة التي عايشها طوال النصف الثاني من القرن العشرين بداية من نكسة 1967 ووصولا إلى هيمنة القوى الاسلاموية على الشارع العربي وتمكنها من فرض وصاية مقيتة على الفكر الحر بقوة التكفير التي تشهرها في وجه كل مخالف، مرورا بسقوط شعارات القومية والوحدة والمصير المشترك التي انهارت تباعا بفعل قوة الأحداث التي عايشها العالم العربي طوال تلك الفترة بداية من اتفاقية كامب ديفيد ووصولا لغزو العراق للكويت سنة 1990 وانتهاء بسقوط بغداد، حيث صار أي حديث عن وحدة عربية ومصير مشترك مجرد ترهات لا يصدقها الواقع.
في ظل هذه الظروف غاب فكر رواد النهضة وحدثت تلك القطيعة بين مثقف اليوم ومثقفي عصر النهضة، ومع هذه القطيعة انقطع الحبل السري الذي يغذي الفكر العربي بمرجعيات ثرية لا تزال صالحة لاستئناف حركة النهضة والبعث أو التنوير العربي الذي لم يكتمل؛ لهذا نجد أنه من واجبنا الآن وفي هذا الظرف تحديدا الذي يمثل لحظة مخاض عسير في تاريخ الفكر العربي، من واجبنا أن نعيد وصل ما انقطع من اجل أن تكون لنا رؤية سليمة وواعية وذات جذور اتجاه الواقع، والاستفادة من أخطاء الماضي بنقد عصر النهضة من جهة، والاستفادة من عناصره الحية من جهة ثانية، والتي يمكن بناءا عليها أن نهيأ نحن معشر المثقفين الجو العام لاستئناف الفعل النهضوي.
الاتجاهات الفكرية لعصر النهضة العربية:
بداية وقبل التطرق للاتجاهات الفكرية التي هيمنت على فكر عصر النهضة، يجب علينا منهجيا القيام بتحديد مفهوم النهضة، هذا التحديد الذي تأخرنا في إعطاءه سابقا أثناء تناولنا لبدايات النهضة وكان الغرض من إيراده هنا هو ربط المفهوم بالجو الفكري العام الذي ساد تلك الفترة التاريخية من حياة الأمة العربية والإسلامية، لان النهضة كمفهوم تتقاطع في الذهن مع مفاهيم أخرى مقاربة لها من حيث الدلالة والمعنى كالتحديث والتنمية والإصلاح والرقي والتقدم، وغيرها من المفاهيم التي كانت ولا تزال متداولة في الحقل الفكري العربي.
بعيدا عن التحديد اللغوي لكلمة نهضة والمستمدة من الجذر اللغوي ” نهض” و ينهض نهضاً و نهوضا نهض و النهوض البراح من الموضع و القيام عنه . و انتهض أي قام .. و النهضة الطاقة و القوة، فالنهضة لغويا تعني القيام من مكان إلى آخر، وهي تحمل بداخلها قوة وطاقة تساعد على هذا الانتقال، أما المعنى الاصطلاحي للنهضة فهي: “نظرية الصعود من درجة إلى أعلى ، أو هي إيصال العرب إلى مستوى الحضارة الكونية و هي هبة مجتمعية تسعى إلى إكساب الحضارة القومية قدرتها على إنتاج المعارف و المهارات في تعامل متكافئ مع الحضارات الأخرى “(
[2]).
فالنهضة هي هبة مجتمعية كما اشرنا إلى ذلك وبالتالي فهي تعني أن كل أفراد المجتمع يساهمون فيها، غير أن النهضة العربية هي بالأساس نهضة قامت بها النخبة العربية، النخبة الفكرية على وجه التحديد، وأيضا ساهمت فيها ولو بنسبة بسيطة النخبة السياسية وخاصة في مصر مع محمد على باشا الذي فتح أبواب التحديث العسكري والصناعي، في حين اهتمت النخب الفكرية والإصلاحية بالجوانب الأخرى الفكرية والمجتمعية، وهذا ما خلق نوعا من التكامل بين المجهودات التي أوجدت عصر النهضة.
فالنهضة هي محصلة لعملية تغيير واسعة مست جوانب عدة من الحياة العربية، وكما يرى علماء الاجتماع، فإن أي تغيير يكون مدفوعا بعاملين: عامل ذاتي ينبع من الظروف الخاصة لمجتمع معين، وعامل خارجي يكون نتيجة الاحتكاك بالآخر وثقافته التي تؤثر عن طريق عملية التثاقف في الذات وتدفعها نحو التغيير، سواء قصد تمثل الآخر إذا كان أكثر تفوقا وهو ما حصل مع العرب لحظة التقاءهم بالغرب، أو بغية تجاوز بعض المعيقات التي تقف في وجه الذات وفي سبيل سيرها الطبيعي نحو مراحل أكثر رقيا من المرحلة الراهنة، وبالتالي فنحن عندما نطرح السؤال المنهجي والضروري لفهم أسباب قيام النهضة العربية: كيف حدثت النهضة؟
فنحن نكون دائما بصدد استحضار الآخر، والآخر الأوروبي على وجه التحديد، لان دور أوروبا كان حاسما وجوهريا في النهضة العربية التي لم تكن بسبب ذاتي، نظرا لان العرب كانوا في تلك الفترة التاريخية وما سبقها من فترات انحطاط طويلة، كانوا مستسلمين بإيمان قدري غبي لحالة التخلف والانحطاط، ولم يبادروا بالنهضة إلا عندما التقوا بالغرب المتقدم الذي اكتشفوا في مرآته مقدار تخلفهم وبالتالي فرض عليهم ذلك التحدي الحضاري الذي استوجب عليهم وعلى القوى الحية داخل الأمة أن تبادر بعمل يعيد للعرب مكانتهم الحضارية والعالمية المفقودة.
بداية النهضة كانت نتيجة محاولة التحديث القصرية التي قام بها السلاطين العثمانين وكذا الحكام الخدويين في مصر، لكن سرعان ما تلقفها المفكرون والاصطلاحيون الذ
ي وجدوا الفرصة المواتية وهم يستقبلون رياح التنوير الوافدة من أوروبا، لعمل شيء ما يساعد الأمة على النهوض واستعادة قيمها الأصيلة التي جعلت العرب في الماضي قوة حضارية كبرى من جهة، ومن جهة ثانية الإفادة من النهضة الأوروبية وعصر التنوير الأوروبي بنقل تلك التجربة النهضوية للآخر الأوروبي ومحاول استنساخها عربيا مع إجراء بعض التعديلات عليها حتى تتماشى وخصوصيات المجتمعات العربية الإسلامية.
وانطلاقا من ثنائية الذات والآخر

المزيد


أزمة المثقف العربي ( 2 )

أغسطس 27th, 2008 كتبها كريم الجزائري نشر في , دراسات

من تحديث الجيش إلى النهضة الثقافية
لقد لعبت الدولة العثمانية لفترة طويلة دورا بارزا على الساحة العالمية كقوة عظمى تحتل مساحة تمتد على ثلاث قارات ذات ثروات بشرية ومادية هائلة، كما أن وضعها كمركز للخلافة الإسلامية منحها سلطة معنوية واسعة حتى على المناطق الإسلامية التي لم خاضعة لسلطتها السياسية.
ولكن بوادر الضعف والهرم بدأت تظهر على هذه الدولة نتيجة لعدة ظروف داخلية وخارجية، ليس هنا المجال للتطرق إليها، مما دفع بالسلطان سليم الثالث ( 1789 -1808 ) إلى العمل على تحديث الجيش العثماني، عن طريق إدخال أساليب تدريب جديدة ومعدات حربية أكثر تقدما، وذلك اقتداء بما هو موجود في أوروبا، وقد واصل خليفته السلطان محمود الثاني عملية التحديث والصول بها إلى مراحل متقدمة، حيث قام بتدمير الجيش الانكشاري تدميرا كاملا وهو – أي الجيش الانكشاري – الذي كان يشكل القوة الضاربة الأكثر فعالية في الجيش العثماني، ولكن نظرا لكثرة تمرد الانكشاريين وكذا لتمتعهم بسلطات واسعة قادرة على تهديد الخلفاء أنفسهم فقد بادر السلطان سليم القانوني وخلفه إلى القضاء النهائي على الجيش الانكشاري وتأسيس جيش محتر
ف ومدرب بشكل جيد وحديث بالمقاييس الأوروبية.
لم تقتصر عملية التحديث على الدولة العثمانية، بل سرعان ما امتدت شرارتها لتحط بمصر، حيث سار محمد علي باشا حاكم مصر الطموح ومؤسس العرش الخديوي فيها على خطى غرمائه العثمانيين، فعمد إلى إنشاء معاهد عسكرية بغية تلقين ضباط الجيش المصري المعارف والمهارات العسكرية الحديثة، وذلك عن طريق استقدام خبراء غربيين للإشراف على التعليم في هذه المعاهد المتخصصة، ولم يتوقف الأمر بمحمد على باشا وهو الطموح لإنشاء إمبراطورية مصرية قادرة على خلافة الدولة العثمانية في مكانتها التي تحتلها في عالم ذلك الوقت وتكون هي اكبر قوة إسلامية في العالم، ومن اجل تحقيق هذا الحلم قام بإنشاء قاعدة للصناعات الحربية بمصر قصد تزويد الجيش بالمعدات الحربية التي تلزمه، كما أيضا بإيفاد رعايا مصريين إلى بعض الدول الغربية وخاصة فرنسا وايطاليا لاكتساب المعارف والفنون الغربية التي مكنت أوروبا من أن تصير بكل تلك القوة التي صارت تهدد العالم الإسلامي قاطبة.
لقد شكلت هذه المبادرة التي قام بها السلاطين العثمانيين وكذا الحكام الخديويين في مصر منعطفا هاما في عملية تحديث بالعالم العربي، وكانت النافذة التي هبت عبرها رياح التغيير الثقافي والاجتماعي، حيث كان لؤلئك الذين أوفدتهم الحكومة المصرية لتلقي العلوم في الغرب دورا كبيرا في هذا التغيير، حيث أنهم لم يكتفوا بنقل العلوم التجريبية التي أوفدوا من اجل اكتسابها، إنما نقلوا معهم الكثير من أفكار عصر الأنوار الأوروبي وحاولا توطينها في بيئتهم وأوطانهم.
رغم أن التحديث الذي باشر به الحكام في الدولتين العثمانية والمصرية كان مرتكزا على تطوير المؤسسة العسكرية بغية إبقاء جيوشها في نفس قوة ومهارة الجيوش الأوروبية، لكن علامات التحديث وبوادره الأولى سرعان ما انتقلت إلى مؤسسات التعليم التقليدية ، حيث أدركت القيادة السياسية أنه من العسير تحديث الجيش دون وجود مؤسسة تعليمية حديثة تكون قادرة على تزويده بما يحتاجه من خبرات ومهارات ومعارف في مجالات معرفية كانت غائبة تماما عن مناهج التعليم التقليدية، كالمعارف والعلوم الطبيعية والهندسة والميكانيك؛ ومن هنا العمل على إنشاء معاهد ومدارس حديثة.
عمليات التحديث التي باشر بها سلاطين بني عثمان وحكام مصر كانت مدفوعة برغبة في تقوية النفوذ العسكري للدولة وكذا في توسيع قاعدتها السلطوية، ” ذلك أن هذه القيادات حصرت اهتمامها كما بينا سابقا في تطوير الآلة العسكرية، ولم تبد أية رغبة

المزيد


أزمة المثقف العربي

أغسطس 16th, 2008 كتبها كريم الجزائري نشر في , دراسات

ثمة فرضية شبه متفق عليها بين المثقفين والباحثين العرب تقول بأن نكسة 1967 هي السبب الرئيسي لأزمة العقل العربي وبالتالي أزمة المثقف العربي في العصر الحديث.
هذه الهزيمة السياسية والعسكرية التي مني بها العرب، أدت بالمثقف العربي تحت تأثير الصدمة – غير المتوقعة – إلى حالة غياب وهروب من الواقع الذي لم يعد قادرا على استبطانه وفهمه ومجابهته ومعرفته وتحديد الموقف والموقع إزاءه ” وقد أدى هذا الوضع إلى الانتكاسة والانغلاق على الذات وطرح المسلمات على أنها واقع محتوم وتكريس الخوف من التاريخ والواقع “(
[1]).
ولكن ألم يكن المثقف العربي قبل نكسة 1967 أكثر إحساسا بهذه الأزمة وأكثر معايشة لمظاهرها سواء على مستوى الأفكار المعلن عنها من طرف المثقفين، أو على مستوى ممارساتهم وسلوكياتهم الشخصية، أو على مستوى مقدار التجاوب الذي لقيته أكفارهم من طرف المجتمع والسلطة السياسية.

بحثا عن جذور الأزمة
من خلال قراءة مقارنة بين نتاجات المثقفين العرب قبل وبعد 1967 يمكن الاطمئنان إلى الإجابة بالنفي على السؤال السابق؛ حيث أن العقل العربي وقبل تعرضه لتلك الهزة العنيفة كان لا يزال عقلا نهضويا يحمل من خلال نتاجاته الفكرية ذلك الهم/الحلم النهضوي الذي بادرت به ثلة من المفكرين العرب والمسلمين بداية من القرن التاسع عشر، هؤلاء المفكرين والإصلاحيين الكبار كانوا يعملون فكرا وممارسة على النهوض بالأمة العربية من كبوتها من خلال عملهم الفكري ومشاريعهم الإصلاحية التي كانوا يدعون إليها ، والتي باشروا بتطبيقها حين أتيحت لهم فرصة فعل ذلك.
إذن، ما ميز العقل العربي في تلك الفترة التي اصطلح على تسميتها بعصر النهضة هو ذلك الحراك الثقافي الجميل الذي عرفته الأمة العربية منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى أواسط القرن العشرين، ولو أن بوادر النهضة الحديثة بدأت في وقت أبكر من ذلك وتحديدا مع الحملة الفرنسية على مصر 1798 التي أحدث صدمة حضارية رجرجت العقل العربي الذي اكتشف مذهولا مقدار تأخره مقارنة بتقدم الآخر / الغرب، ومن تم بدأ العمل على تجاوز حالة التخلف العام التي كانت سائدة في كل الأقطار العربية والإسلامية، وهذا الوعي والإدراك لحالة التخلف هو الذي أنتج عصر النهضة العربية الحديثة التي تبلورت ملامحها مع نهاية القرن التاسع عشر وخصوصا مع ثلة الإصلاحيين الكبار ( الأفغاني، محمد عبده ، خير الدين التونسي، عبد الحميد بن باديس…)، عصر النهضة كان بمثابة عصر أنوار عربي سعى المبشرون به و العاملين على تحقيقه على جعله حلقة فاصلة في تاريخ الأمة العربية بنقلها من حالة التخلف العام إلى السير على طريق التقدم ومن تم اللحاق بمصاف الأمم المتحضرة والفاعلة في الحضارة الإنسانية.
ولكن وبالرغم من كل الانتكاسات وإجهاض تلك الفكرة النهضوية العربية الجميلة التي بشر بها المثقف العربي وهو يلتقي بحضارة الغرب القوية، إلا أن ما ميز تلك الفترة بحق هو أن المثقف العربي كان شديد الالتصاق بمجتمعه وقادرا على تمثل تلك التطلعات الجماهيرية وتحويلها إلى خطابات فكرية ومشاريع إصلاحية، تحولت في بعض الحالات إلى واقع ملموس مما دعم ثقة المثقف في نفسه وفي قدرته على إحداث التغير المرجو في طرائق التفكير وفي السلوكيات الاجتماعية، وكذا قدرته – ولو نسبيا – على التأثير في السلطة السياسية وجرها إلى تبني أطروحاته الإصلاحية ( مثال محمد عبده وإصلاح مناهج التدريس بالأزهر، وجمال الدين الأفغاني وعمله على نشر الوعي بضرورة اعتماد دساتير ديمقراطية تفصل بين السلطات، وخير الدين التونسي ودوره في الإصلاحات التي جرت بتونس قبل الاحتلال الفرنسي )، رغم المعارضة الشديدة التي جوبه بها من طرف القوى المحافظة والتي تعتبر أي إصلاح أو تغيير للوضع القائم تهديدا مباشرا لمصالحها.
صحيح أن المجتمعات العربية لم تعرف عصر أنوار كالذي عرفته أوروبا والذي نقلها من حالة التخلف والظلامية إلى نور العلم والمعرفة والتقدم وسيادة القيم الداعمة للاستمرار في هذا التقدم؛ إلا أن عصر النهضة مثل محاولة لإنتاج عصر أنوار عربي من خلال الاقتداء بما هو موجود بأوروبا، وساء في المجال السياسي ( الدستور، التمثيل النيابي، الفصل بين السلطات..) أو في المجال الثقافي بفسح المجال أمام تلك العلوم والمعارف الدنيوية، وأمام أجناس
أدبية لم يعرفها العرب من قبل أو كانت موجودة ولكن في شكل جنيني لم يتطور إلى جنس أدبي مستقل، فقام المثقف العربي تحت تأثير ذلك الانبهار بالغرب وثقافته وعلومه بترجمة روايات ومسرحيات كمرحلة أولى ليليها بمحاولة التأليف على منوالها بغية توطين هذه الأجناس الأدبية في البيئة العربية، كما عمل أيضا المثقفون العرب في تلك الفترة على نقل الكثير من مؤلفات كبار فلاس

المزيد


الحب في الثقافة العربية

نوفمبر 13th, 2007 كتبها كريم الجزائري نشر في , دراسات

ظل الحب محورا أساسيا دارت حوله الإبداعات البشرية لكل الحضارات الإنسانية، وقد مثل حضوره الدائم في وجدان الفرد والجماعة دافعا من دوافع سعي الإنسان للرقي بإنسانيته نحو الكمال المنشود، فنحن نقرأ في ملحمة جلجاميش كيف أن أنكيدو ذلك الآدمي المتوحش الذي تربي بين الحيوانات واكتسب صفاتها، يسترد إنسانيته الضائعة من خلال الحب:
ستة أيام وسبعة ليال ضاجع المرأة

تنور ذهنه وقلبه
الحب كعلاقة روحية وجسدية أعادت أنكيدو إلى إنسانيته ، لذلك فالحب في كل الحضارات والديانات دائم الحضور بتنويعات مختلفة .
الثقافة العربية الإسلامية لم تكن نشازا في تعاطيها مع موضوع الحب، بل إنها أبدعت من خلال معجمها اللغوي الثري بتعابير الحب والعشق، ومن خلال التراث المكتوب والشفوي الذي وصلنا. أبدعت في تمجيد هذه العاطفة وكذا في محاولة فهم وتحديد ماهية الحب.
ونحن من خلال هذه المقالة نحاول الاقتراب من تمظهرات الحب في الثقافة العربية من خلال الابداعات التي خلفها لنا الإنسان العربي عبر مسيرته التاريخية.
الحب العذري:
مثل الشعر الجاهلي بتصوريه الصادق للحياة العربية في البوادي وثيقة تاريخية نستطيع من خلالها تكوين صورة تقريبية عن طبيعة حياة العرب ونظرتهم للأشياء. والحب لم يكن غريبا عن الحياة العربية بل كان مكونا أساسيا من مكوناتها وهذا ما نلمسه في أشعار الكثير من الجاهليين الذي صورا صباباتهم وعشقهم. وبكاءهم على أطلال الحبيب صار لازمة في الشعر العربي لم يتمكن الشعراء اللاحقون من التخلص منها بسهولة.
ما نلحظه عن الشعر الجاهلي الذي تناول الحب أنه لم يتناوله كعاطفة روحية بمقدار ما تناوله كرغبة جنسية.
هذا ما نجده في أشعرا ومغامرات إمرىء القيس وحبيباته المتعددات اللواتي يغرقن معه في الملذات المسروقة بعيدا عن أعين الرقيب

فالحب في الشعر الجاهلي كما صوره لنا ما وصلنا من شعر يتناول هذا الموضوع؛ لم يكن عفيفا بل كان عاطفة روحية تخالطها علاقات جنسية ومتع حسية؛ إي أنه كان عشقا متعويا
وعلى عكس العلاقات الحسية والجنسية التي مثلها أحسن تمثيل بعض الشعر الجاهلي وخصوصا عند أمرىء القيس، وتم تم إحياءها وتمجيدها لاحقا في العصر العباسي خصوصا على يد أبي نواس ومن سار في فلكه من ممجدي الشهوة بكل صنوفها الطبيعية والشاذة.
قلت على عكس هذا نجد نوعا آخر من الحب في الشعر العربي القديم هو الحب العذري ( نسبة لقبيلة بني عذرة التي اشتهرت – حسب ما تزعم الروايات – بالجمال الفاتن لنسائها من جهة وتعفف رجالها من جهة ثانية).
هذا النوع من الحب يعلى من شأن الصفات المحمودة في العلاقات الغرامية مثل الوفاء والصدق، ويجعل لهذه الصفات مقام القدسية في أي علاقة، وهي- أي هذه الصفات- تزداد بروزا في حالات صد ونأي الحبيبة أو حدوث خطوب معينة تفرق ما بين المحب ومحبوبه، وهذا ما يحدث في أغلب علاقات الحب العذرية. فافتراق المحب عن محبوبه هو الذي يلهب قريحة الشاعر للتعبير عما يكابده من الشوق والوجد، وتأكيد وفائه وبقاءه على عهد المحبوب برغم الصد وبرغم البعد.
الحب العذري حب مأساوي نهاياته مفجعة وفي أحسن الأحوال غير سارة، لأن الفراق هو الخاصية المشتركة بين أغلب قصص الحب العذري التي وصلتنا أشعار تمجدها وتخلدها.
ولكن ماهي خصائص الحب العذري كما مثله جميل بثينة ومجنون ليلى وغيرهم من الرواد الأوائل الذين وضعوه في قوالب جاهزة ( من خلال الممارسة لا من خلال التنظير)؛ هذه القوالب التي أصبحت مثالا يقتدى من طرف اللاحقين، وخصوصا المتصوفين الذين حاولوا تمثل تجربة الحب العذري في أشعارهم من خلال قصر شعرهم -كما فعل العذريون- على محبوب واحد دون غيره في إشارة إلى الذات الإلهية: المحبوب الأول والأخير.

إن اللاحقين الذين حاولوا تقليد العذريين الأوائل في عشقهم ومن تم في أشعارهم؛ لم يستطيعوا إضافة جديد لهذا النوع من الحب لأنهم افتقدوا للصدق الذي ميز الرواد الأوائل؛ فهم _ أي اللاحقين _ أبناء مدرسة الصنعة والتكلف التي لا تتماشى وطبيعة الشعر العذري الذي هو تصوير لوقائع حدثت فعلا بعيدا عن أي نوع من أنواع التكلف.
بالعودة إلى ما سبق ما هي خصائص هذا الحب العذري؟
في معرض حديثه عن جميل بثينة يشير المستشرق الألماني ” غابرييللي” إلى أن ” جميل بثينة أول شاعر يصور الحب على أنه قدر تكتبه السماء على الإنسان”.
هذه الملاحظة الدقيقة لطبيعة الحب العذري يؤكدها قيس بن الملوح (مجنون ليلى ) في من خلال قوله في أحدى قصائده:
قضاها لغيري وابتلاني بحبها فبأي شيء غير ليلى ابتلانيا

إن هكذا حب يظل مرافقا للمحب طوال حياته دون أن يستطيع منه فكاكا، بل إن الشاعر/المحب يتمتع بعذابه لأنه قدر من الله وهو راض بهذا القدر؛ إنه نوع من “الرضى الصاخب” بهكذا قضاء، فالعاشق العذري يتمنى لو أن كل العالم يسمع عن حبه وهو من خلال شعره يجتهد في وصف كل ما يعانيه من عذابات الحب ولواعج الشوق. لذلك نجد أن الشعراء العذريين يخافون أن يباغتهم الموت وجدا، قبل أن يقولوا كل ما يريدون قوله عن المحبوب الأسطوري الذي اختصر كل العالم في ذاته.
تشكل الحب العذري كمدرسة بطريقة عفوية في البادية العربية، دون أن يتحول إلى مذهب يمتد إلى ما غيرها من المناطق المحيطة؛ فظروف المعيشة وكذا المتغيرات السياسة والاجتماعية التي كانت تميز البادية عن الحواضر الإسلامية تبقى جوهرية. وهذا ما لم يسمح باستنساخ تجربة الحب العذري في تلك الحواضر التي أخذت في التوسع والانفتاح خلال العصرين الأموي والعباسي بعيدا عن ذهنات البادية المحافظة؛ تلك الحواضر التي كانت تشهد ميلاد الكثير من أنواع الحب التي تتسم بالمجون والشذوذ والانفلات المفرط.

ويكفي لتقريب صورة الاختلاف بين البوادي والحواضر في النظر لموضوع الحب إيراد هذا الحوار الموجز بين الأصمعي وامرأة من بني عذرة:
سأل الأصمعي: ما هو الحب عندكم
قالت: الغمزة والقبلة والضمة. فما هو عندكم؟
قال: أن يرفع رجليها ويدفع بجهده بين شفريها.
إن هذه المحاورة تبين بجلاء طبيعة الفرق الشاسع في النظرة للحب بين سكان البادية من جهة وسكان الحواضر من جهة ثانية.
وقبل التطرق لوجه آخر من وجوه الحب في الثقافة العربية الإسلامية وهو الوجه الذي يتسم بالكثير من تمجيد الملذات على حساب العلاقة الروحية الصافية. نتطرق لنظرة أخرى للحب ولو أنها متأخرة زمنيا عن المرحلة التي شهدت عنوفان الحب العذري, وهي نظرة ابن حزم الأندلسي في كتابه الموسوم “طوق الحمامة في الألفة والإلاف”؛ لأن نظرة هذا الفقيه الأندلسي للحب تتقاطع في بعض تفاصيلها مع نظرة العذريين دون أن تتطابق معها.
يعد كتاب “طوق الحمامة” من أهم المراجع حول الحب في الثقافة العربية الإسلامية، فهو يتصدى لمحاولة تحديد جادة وعلمية لماهية الحب ووصف لأعراض وصنوف الحب المختلفة؛ فقد أفرد الفقيه الأندلسي بابا في كتابه لكل علامة من علامات الحب مدللا عليها بأبيات شعرية من نظمه في الغالب.
ولكن ما يؤخذ على كتاب ابن حزم - برغم أهميته وأصالته - أنه كتاب “طبقي”: بمعنى أن ابن حزم الأندلسي قد صور لنا الحب تصويرا دقيقا في قصور الأمراء والملوك وعلية القوم دون أن يلتفت للعامة من الناس البسطاء الذين قد تكون لهم رؤية مغايرة لماهية الحب عما هي لدى القوم المترفين؛ فأغلب قصص الحب التي أوردها ابن حزم عبر صفحات كتابه - المتفرد في بابه - تدور حول الجواري والقيان, ونحن نعلم من خلال التاريخ الذي وصلنا عن تلك الأيام أن اقتناء الجواري والقيان هو ترف لا يقدر عليه إلا ذوي الجاه والسلطان أما عامة الناس فإنهم محرومون في الغالب من هذه المتع.
ابن حزم يلتقي مع الشعراء العذريين في التأكيد على أن الحب إنما يكون لمحبوب واحد وأن ارتباط الرجل إنما يكون بامرأة واحدة دون سواها. ومع هذا فهو لا يعد من زمرة العذريين لأنه يتجاوزهم من خلال طرحه لقضية الحب, فطرحه علمي تثقيفي بالأساس هذا من ناحية المضمون, أما من ناحية الشكل فالفقيه الأندلسي -على خلاف سابقيه - لم يضمن كتابه منتخبات شعرية فقط, بل إن عمله محاولة نثرية جادة ورصينة للاقتراب من موضوع ظل ولفترة ليست بالقصيرة حكرا على الشعر لوحده.

إن ابن حزم وهو يسجل ويحلل ما عاشه بنفسه أو ما وصل إلى سمعه من أخبار وقصص يسعى عبر أبواب الكتاب المتعددة لتعداد وتحليل العلامات والصفات التي عن لاحظناها على شخص ما قلنا عنه بكل ثقة غنه عاشق.
إن ما يميز طوق الحمامة هو قدرته الفائقة على سبر أغوار النفس البشرية وشرحه الدقيق والموفق في الغالب لطبائع الرجال والنساء. وإذا كان الشعراء العذريين قد أوصلوا صوت الرجل وشرحوا حاله وهو يعاني ما يعاني بسبب الحب, وحللوا نفسيته وكل ما يختلج بدواخله التي لم تكن سوى دواخلهم في حقيقة الأمر, فإن المرأة: حالها ووضعها وما يختلج بداخلها, ظلت مبهمةوغامضة لأنها وبالرغم من كونها الموضوع الرئيسي لكل أشعارهم ظلت صامتة, ولأنها صامتة ظلت مجهولة لدينا كقراء. هنا وفي هذه النقطة أيضا يتميز ابن حزم عن الشعراء العذريين بكونه يشرح ويحلل لنا نفسية المرأة عاشقة كانت أم معشوقة؛ فالفقيه الأندلسي يؤكد على أنه أعلم من غيره بطبائع النساء: ” لقد شاهدت النساء وعلمت من أسرارهن مالا يكاد يعلمه غيري, لأنني ربيت في حجورهن, ونشأت بين أيديهن, ولم أعرف غيرهن, ولا جالست الرجال إلا وأنا في حد الشباب وحين تفيّل وجهي وهم علمنني القرآن وروينني كثيرا من الأشعار, ودربنني في الخط, ولم يكن وكدي وإعمال ذهني منذ أول فهمي, وأنا في سن الطفولة جدا, إلا تعرف أسبابهن والبحث عن أخبارهن وتحصيل ذلك”.
إن الميزة الأساسية لكتاب ابن حزم جول موضوع الحب, أنه لم يكن بحثا نظريا أو فلسفيا محضا, ولا سردا ورصفا لأخبار وقصص وأشعار دون أن يكون هناك رابط شديد بينها؛ بل هو مزج بين هذا وذاك, فهذا يشرح ذاك, وذاك يوضح هذا.الحب ذو الطابع الإباحي
بعيدا عن البادية وما تتميز به من محافظة أخلاقية تؤطر العلاقات بين الرجل والمرأة وتضع لها حدودا يصعب تجاوزها، رغم حرية الاختلاط النسبية التي تتفاوت من قبيلة لأخرى.
قلت بعيدا عن هذه البوادي، أخذت تنشأ الحواضر الإسلامية الكبرى وتتوسع ( بغداد، دمشق ، نيسابور) جالبة إليها أخلاطا بشرية من كل الأعراق؛ مما اوجد ثقافة متعددة ومنفتحة وذات مرجعيات متعددة.
في ظل هذه الحواضر نشأ نوع من الحب مختلف تمام المخالفة لما هو عليه في البادية؛ إنه حب ماجن وداعر يستمد مفرداته من المعجم اللغوي العربي الثري بمفردات الإيروسية والاحتفاء بالجسد.
ميزة هذا الحب أنه يختصر العلاقة بين الرجل والمرأة في جانبها المتعوي ملغيا بصفة شبه كلية الجانب الروحي لهذه العلاقة وإن تم استحضاره فبوصفه وسيلة موصلة للجانب الآخر من العلاقة، أي جانب المتع الحسية.
مثل هذا النوع من الحب شعراء كبار ل

المزيد