ديسمبر 21st, 2008
كتبها كريم الجزائري
نشر في , قصص,
,
كان يسير وحيدا، مهموما وحزينا، فالذي كان يشغل باله اكبر من أن يجعله ينتبه لوجوه المارة، والتحديق بمؤخرات الفتيات العابرات أمامه بشارع ديدوش مراد بقلب العاصمة، هو المغرم حد الثمالة بهذه العادة السيئة، التي كانت منذ أيام فقط هوايته المفضلة، حيث يقضي ساعات طوال متسكعا بشوارع العاصمة المكتظة، لا لشيء سوى لتحصيل تلك المتعة البصرية التي تزرع الدفء بقلبه وجسده النحيل.كان يسير وحيدا، مهموما وحزينا، مطأطأ الرأس يستحضر بمرارة ذلك الموقف الذي وجد نفسه فيه منذ يومين بمحطة الحافلات بالخروبة، لقد تعرض لإهانة أمام الجميع حين اتهمته فتاة لا يعرفها بسرقة هاتفها النقال، اتهام كلفه قضاء خمس ساعات بقسم الشرطة.. خرج من قسم الشرطة متورم الخد الأيمن ونازف الأنف … فرجال الشرطة الغلاظ الطباع لا يتورعون عن إبراز عضلاتهم في حضرة اللصوص الظرفاء أمثاله…رغم أنه كان بريئا من تلك التهمة الباطلة إلا انه اخذ نصيبه من الاهانة اللفظية والجسدية.. إهانة كسرت روحه بشكل لم يتوقعه أبدا، هو المتعود على الاهانات منذ زمن لا يتذكره..ربما منذ لحظة الولادة الأولى ومنذ صرخة الميلاد الأولى التي تلتها صرخة والده الغاضب والثائر في وجه أمه وكل الحاضرين في المستشفى: من وين جبتي وجه الشر هذا إنه لا يشبهنيوفعلا لم يكن يشبه والده، لأن ولادته لم تكن سوى نتيجة مأساوية وغير متوقعة لنزوة امرأة متزوجة أرادت أن تعيش لحظات من الطيش والعشق المحرم، بعد أن ملت فراش زوجها البارد.كبر وحيدا، وحزينا ومهموما، ووجلا من نظرات والده الحادة والناقمة التي لم يكن يعرف لها سببا…وحدهم الأزواج المخدوعون من يكونون قادرين على معاقبة الأطفال الأبرياء على أخطاء لم يرتكبوها…ووالده المفترض عاقبه بصمت وتجاهل وحقد دفين، ذلك الحقد الذي كان قادرا على تشويه نفسيته واغتصاب
المزيد
يوليو 27th, 2008
كتبها كريم الجزائري
نشر في , قصص,
,
سار في الشارع الطويل لا يكاد يتقدم خطوة أو خطوتين حتى يلتفت إلى الجهات الأربعة، كان يحس أن الجميع ينظر إليه وأن كلامهم فيما بينهم تهامس ماكر عليه، أرهف السمع لعله يلتقط بأذنيه اسم جاسم لكنه لم يصل إلى ما أراد، فلا أحد في هذا البلد ينطق هذا الاسم على لسانه، لأن أمه استوردته من إحدى دول الخليج حيث كانت تشغل هناك طبيبة بإحدى المستشفيات، وأغلب الظن الذي صار يراوده عن سر هذا الاسم الغريب والناشز أن أمه أحبت رجلا بهذا الاسم فأرادت أن تخلده في ولدها البكر، أنه يحس أبدا وهو طفل صغير أن والدته تكن أي حب لوالده فقد كانت لا مبالية اتجاهه بشكل شاذ جعله يستغرب لاحقا تلك المعاملة التي كان والد يصبر عليها على مضض.
كان الشارع قد التوى إلى اليمين حيث يوجد على أحد جانبيه مطعم فاخر ارتاده مرات كثيرة مع عمه حسين قبل أن تصير حالته إلى ما آلت إليه بعد أن سرح من الخدمة العسكرية، وما زال إلى اليوم يحن إلى طبق السمك المشوى على الجمر الذي كان الطبق المفضل له وللعم حسين، ودون أن يفكر وجد نفسه يحجز إحدى طاولاته، لم يتردد وطلب طبق السمك الأثير لديه الذي راح يتناوله بشراهة، لكنه وقبل أن يجهز على آخر ما تبقى في الصحن أمامه تذكر شيئا مهما، تحسس جيوبه كمحاولة أخيرة للتأكد من خلوها من أي فلس، تذكر بكثير من الغبطة سبب شجاره صباحا مع بائع الخضار واتهامه إياه بأنه يغش في الميزان، والحقيقة أنه لم يتذكر انه لا يملك فلسا في جيبه إلا بعد أن طلب كيلوغراما من الموز، فافتعل ذلك الشجار وتلك الحجة حتي يتخلص من الموقف، وهو الآن يقف في نفس الموقف للمرة الثانية في هذا اليوم.
مسح الطاولة حتى من الفتاة، فكر أن يطلب نوعا آخر من الطعام لكنه تذكر أنه بحاجة لبعض الرشاقة والخفة بعد قليل، نهض واتجه في وقار نحو صاحب المطعم الجالس خلف مكتبه الصندوقي قرب الباب الموصل إلى الخارج، نظر إليه وابتسم ابتسامة عريضة وهو يتظاهر بتحسس جيوبه ثم نظر إلى الباب وأعطى الريح لساقيه.
كان يسير في الطريق المؤدية إلى عيادة الطبيب النفساني الذي يعالج عنده منذ قرابة السنة وهو يشعر بالكثير من السعادة للانتصار الذي حققه اليوم على بائع الخضار وصاحب المطعم.
نظرات الطبيب وحدها هي التي أذهبت عنه تلك السعادة فقد كانت تلك النظرات الماكرة تشعره بالكثير من التوتر والارتباك، كان ينظر إليه كمجنون، وهو من جانبه كان ي
المزيد
نوفمبر 24th, 2007
كتبها كريم الجزائري
نشر في , قصص,
,
تشرق الشمس وتغرب والمدينة تسكن سكونها الأبدي، لا تتغير لا تضطرب ولا تنقلب، لا تعلن التمرد ولو يوما على إيمانها الساذج بقدرها الواقف دون مستوى أحلامي وأحلام شباب الطريق والحيطان والمعاكسات المرتبكة، والحلم بيوم جديد وفتاة تكون حبيبة، قادرة على أن تدفع عن أجسادنا البرد الساكن فينا منذ وجددنا هنا؛ برد الأيام المكرورة والأحلام المبتورة وقصف الأقوال المأثورة. برد البحر، والبحر في جيجل ولا أجمل والرياس من هن
ا انطلقوا وهنا نزل بربروسا ومن هنا انطلق الجواجلة طردوا الأسبان من مدن الشمال في الشرق والوسط والغرب ، وعادوا إلى سلامهم وبلادهم وبردهم، يخيطون من أوهام الماضي السعيد وذكرى الأسلاف العظام، رياس البحر النابتون هنا والموزعة أشلاؤهم وأحلامهم هناك في كل البر والبحر؛ أحلاما تستحيل سلاما وفخرا وذكرا وبردا …. تجلدنا الحيطان هنا وتلهب ظهورنا وتلعننا الطرقات التي قتلناها مشيا وأتعبناها وقوفا في انتظار فتيات يطلعن من خدورهن ومن الثانويات والمدارس…يخرجن يحملن الحلم والدفء، ونظرات مغناجة واعدة باليأس. معاكساتنا مرتبكة تنتهي بإحباط شديد…لم يعلمونا بالبيت كيف نعامل الأنثى وكيف نعشق النساء؛ علمونا الحشمة السخيفة التي ترعدنا رغبة لا حبا، والنسغ الساخن يصعد في أجسامنا وفي عظامنا الموبوءة بالرطوبة وينزل ويطيش، وعيوننا تتبع مؤخرات الفتيات اللواتي يمررن أمامنا في دلال ومنعة والشبق فينا يبكي وصديقي المحزون بجواري يشتكي ويلعن.
ماذا أقول لها ومر عام أطاردها، أزني معها بعيوني وبعينيها الكحيلتين معي تزني وتمضي وأمضي؛ وعام أخر مر أكاتبها وصديقي يساعدني ويأتيني بأشعار نزار حيث تمتد مراهقتنا التي لم نعشها، نسهر وحدنا بعيدا عن كل السهارى والسكارى، نقرأ ونعيد ونغتبط ونصيح من فرط تأثرنا ..الله..الله. أنا وصديقي الذي قرر بعدما احتله اليأس أن يحب الحب
المزيد